هذا المقال قرأته فى الأهرام عجبنى جدا ومش عارف اذا كان الدكتور سمير غطاس ده هو سمير غطاس طالب طب الأسنان اللى من جيلى والا واحد تانى عامه المقال أنا معجب بيه
سيناريوهات نهاية الحرب علي غزةبقلم : د. سمير غطاس
بعض الأقوال التي تختبر صحتها مع مرور الزمن تتحول عادة إلي مثل أو حكمة, ومن ذلك مثلا, الحكمة التي تقول: ان رجلا واحدا أخرق يمكنه ان يرمي حجرا في النهر لكن الف رجل عاقل لايستطيعون أخراجه. وهكذا هي الحروب التي تقع عادة لاخطاء في حسابات موازين القوي, وبعد اندلاعها ينهمك المجتمع الدولي كله في محاولة إخمادها أو إيقافها.والحرب الاسرائيلية الأخيرة علي غزة تبدو نموذجا واضحا علي ذلك, ففي غياب تقويم حقيقي موضوعي لجوانب قوة وضعف إسرائيل يترنح الموقف العربي مابين جبهتين, واحدة منها لاتزال تعتقد اسرائيل قوة اقليمية عظمي لايجب المغامرة بشن حرب شاملة عليها أو الدخول معها في مواجهات كثيفة, وتبدو الشقيقة سوريا والجمهورية الاسلامية الايرانية من أبرز ممثلي هذه الجبهة, اذ رغم كل مايقال خلف الميكروفونات أو أمام العدسات من خطابات ثورية ونارية فإن سوريا تبقي ملتزمة منذ عام1974 وحتي الان بوقف شامل لإطلاق النار علي جبهة الجولان المحتلة من إسرائيل منذ عام.1967وتمنع سوريا منعا باتا فتح هذه الجبهة أمام أي جبهة سورية أو غير سورية للاقتراب من هذه الجبهة المستكينة وعندما قررت اسرائيل ترميم قدراتها الردعية بناء علي توصيات لجنة فينوجراد الشهيرة اختارت الجبهة السورية بالذات مسرحا لتنفيذ عمليات عدوانية خطيرة. فبعد مرور عام تقريبا علي حرب لبنان قامت الطائرات الإسرائيلية باختراق المجال الجوي السوري وقصفت مبني في محافظة دير المزور ودمرته تماما يوم2007/9/6 بدعوي أنه مفاعل نووي سوري. وفي العام الماضي وتحديدا في2008/2/13, اغتالت إسرائيل عماد مغنية أحد أبرز قادة حزب الله في قلب دمشق, مثلما قالت الصحافة الإسرائيلية: من تحت أنف الأسد( يديعوت2008/2/14). ومع ذلك تجلدت القيادة السورية وايدت قدرا هائلا من ضبط النفس والامتناع المدهش عن أي رد فعل, وهذا يعني أن لسوريا حساباتها الخاصة لميزان الردع مع إسرائيل.والأمر ذاته يحدث بالنسبة للجمهورية الإسلامية الايرانية التي يوجد لديها صواريخ يمكنها ضرب العمق الإسرائيلي لكنها لم تغامر باطلاقها تحسبا من رد الفعل الإسرائيلي.وبالمقابل فإن هناك جبهة أخري يبدو أن حزب الله وحركة حماس من أبرز ممثليها, ويعتقد حسن نصر الله أن قوة إسرائيل' أوهي من خيوط العنكبوت' وربما لهذا بادر الي عملية أسر الجنديين في2006/7/12 مما استتبع شن حرب ضروس علي لبنان كلفته قرابة الألف قتيل ودمرت قسما غير قليل من البنية التحتية للبنان واننتهت الي تغيير كبير في المشهد اللبناني لصالح إسرائيل, اذ بقيت مزارع شبعا وقرية الفجر علي حالها تحت الاحتلال الإسرائيلي فيما أزيح حزب الله للخلف40 كيلو مترا عن خطوط التماس مع اسرائيل وجري ادخال قوات طوارئ دولية وادخال الجيش اللبناني الذي كان حزب الله يمنعه بالقوة من الوجود علي أرضه في جنوب لبنان.وهكذا انتهت هذه الحرب بفرض هدنة واقعية تحت رقابة دولية لاتزال سارية حتي الآن, وفي الاثناء ضاع تصريح نصر الله عن ندمه علي القيام بالعملية التي تسببت في هذه الحرب وسط الصخب المدوي للتصريحات الأخري التي اطلقها عن النصر التاريخي.ويري البعض أن ماحدث في لبنان يمكن ان يكون أحد سيناريوهات انهاء الحرب الدائرة الآن علي غزة.كانت حركة حماس بادرت الي وقف العمل باتفاق التهدئة والذي طلبت هي من مصر التوسط في عقده مع الجانب الإسرائيلي وبدأ سريانه في2008/6/19 وتمسكت حماس بهذه التهدئة الي درجة اتهام الدكتور محمود الزهار كل من يطلق الصواريخ من غزة بالخيانة والعمالة لإسرائيل!وتبدو حماس محقة في طلب تعديل شروط اتفاق التهدئة أو الزام إسرائيل بعدم خرقها باختيار التكتيكات التي تتناسب مع هذا المطلب المحق, لكن حماس أوقفت العمل بالتهدئة وأعلنت جهوزيتها الكاملة لردع إسرائيل بعمل مزلزل ان هي شنت عدوانها علي غزة, ورغم ان كل ذلك ليس له أبدا ان يبرر الحرب العدوانية التي تشنها إسرائيل, فإن هناك ضرورة لإعادة تقويم الدور الذي تقوم فيه الدولة المرتدعة باللعب باوراق القوي المغامرة وينتهي الي كوارث قومية.ولما كانت الحرب وكذا المقاومة من أكثر سلوكيات البشر خطورة وكلفة فقط كرس العديد من القادة والمفكرين جل جهودهم لارساء القواعد الاستراتيجية والعلمية لكل منهما وكما أن المقاومة تبقي حقا مشروعا واجبا وفرض عين علي كل شعب يقع تحت الاحتلال فإنها تبقي ايضا علما راسخا له استراتيجياته وقواعده واصوله التي ترسم خطا فاصلا مابين المغامرة والمقاومة.وقد يكون ذلك كله من الأمور التي يجب اعادة دراستها وبحثها في ظروف أخري غير تلك التي يجب التركيز فيها علي وقف العدوان الاسرائيلي وانقاذ المقاومة من الاختيار البائس بين النحر أو الانتحار.ويبقي الأهم الآن هو محاولة الاجابة علي السؤال الأكثر الحاحا عن المصير الذي يمكن ان تنتهي اليه هذه الحرب العدوانية علي غزة؟يجب أولا ملاحظة تجنب القادة في اسرائيل تحديد أي هدف نهائي واضح لهذه الحرب انطلاقا من اعتبارين: الأول منهما هو الخشية من تداعيات تقرير فينوجراد الذي كان انتقد أولمرت وعمير بيرتس, وزير الدفاع في حينه علي تحديدهما أهدافا لم تتحقق بنهاية الحرب, ويتعلق السبب الثاني بترك الباب مفتوحا أمام كل الاحتمالات وتوسيع دائرة الأهداف ربما إلي الحد الأقصي تبعا لمجرد تطورات العمليات العسكرية نفسها علي الأرض.ومع ذلك فإن إسرائيل تشهد جدلا عميقا, لايتم الآن الكشف عن القسم الهام منه, بين ثلاثة خيارات استراتيجية لإنهاء هذه الحرب.. وهذه الخيارات هي مايلي:ــ الخيار الاستراتيجي الأول ويتبناه أولمرت وباراك, وهو يدعو الي انهاء هذه الحرب بعد فرض هدنة جديدة علي حماس بعد اضعافها الي الحد الأدني, وتستند هذه الهدنة الي نفس المعادلة التي كانا قد أقراها معا في2007/6/18 وهي معادلة: ردع ـ عزل, ولكن وفقا لشروط جديدة تشمل مايلي: الزام حماس بعدم اطلاق اي صواريخ من غزة, ووقف تهريب الأسلحة وتصنيعها, واستدعاء رقابة دولية أو عربية لضبط الوضع الأمني في غزة.ويميل الثنائي أولمرت ـ باراك لهذا الخيار لأنه يحقق لإسرائيل مصالحها العليا في إبقاء غزة تحت حكم حماس مفصولة عن الضفة الغربية ومنضبطة تجاه إسرائيل.والخيار الاستراتيجي الثاني, يدعو الي تغيير النظام السياسي في غزة بعد تدمير القدرات العسكرية لحماس, والمقاومة بالكامل وتسليم السلطة إما لأبومازن أو لقوات دولية أو عربية تعمل علي اقامة نظام جديد, ويرفض أنصار هذا الخيار, خاصة من معسكر أحزاب اليمين أي عودة لاتفاقات التهدئة لأن الصواريخ القادمة قد تصل بعدها الي تل أبيب حسب تصريحات سيلفان شالوم وزير الخارجية في حكومة نيتانياهو. ويتطلب هذا الخيار ليس فقط شن حرب برية, وانما العودة الي احتلال غزة ويواجه هذا الخيار بالعديد من الاعتراضات التي تحذر من تداعيات التورط في هذا الاحتلال من جديد, ومن رفض أبومازن العودة الي غزة علي ظهر الدبابات الاسرائيلية فضلا عن الذكريات السلبية لتجربة تنصيب بشير الجميل رئيسا للبنان بعد الغزو الاسرائيلي عام.1982أما الخيار الثالث, فهو الذي تميل له أكثر تسيبي ليفني زعيمة كاديما ووزيرة الخارجية, والتي تعتقد أنه يجب انهاء هذه الحرب بالتخلص نهائيا من قطاع غزة, بمغني اتمام الفصل الذي بدأه شارون في سبتمبر1985 بالانسحاب من هنا لا من طرف واحد, ويقال ان ليفني كانت تري في حينه أو ماتزال, انه يجب استكمال هذه الخطوة بقطع كل صلة لإسرائيل بقطاع غزة مع استصدار قرار أو تصديق مجلس الأمن الدولي علي هذا الفصل التام, ومن ثم يتحقق هدف القاء تبعات المسئولية الأمنية والاقتصادية عن قطاع غزة بالكامل علي عاتق مصر.وكان المحلل العسكري المعروف اليكس فيشمان كشف في يديعوت2008/12/29 بأن بعضا من القادة يميلون الي ان تنتهي هذه الحرب باعادة غزة الي مصر أو الي من يرغب فيها.ومعروف أن هذا الخيار قديم ـ ومتجدد, وينتظر الظروف المواتية لتنفيذه. وهناك مدرسة كاملة في إسرائيل تتبني مايسمي بالخيار الاقليمي الذي يعني التخلص من غزة واعادتها الي مصر, فيما يجري تقاسم الضفة الغربية وظيفيا بين اسرائيل والأردن.وفي ظل عدم الكشف تماما عن الأهداف الحقيقية لطريقة إنهاء الحرب علي غزة فإن كل الاحتمالات تبقي مفتوحة ونذكر هنا فقط بأن خطة شارون لغزو لبنان وصولا الي بيروت في عام1982 كانت بدأت بزعم دفع المقاومة40 كيلو مترا الي الحلف في جنوب لبنان.وبالمقابل, فإن حضارات الجانب الفلسطيني تبدو صعبة للغاية, لأنه اذا ما أوقفت المقاومة فعالياتها الآن فقد يغري ذلك إسرائيل بدفع أهدافها من هذه الحرب الي الحد الأقصي, واذا استمرت المقاومة فقد يحمل ذلك إسرائيل علي تسعير وتوسيع عدوانها.وربما لهذا تمثل الحرب البرية المرتقبة نوعا من اللاخيار الذي تضطر له حماس وتراهن عليه علي أمل ان يؤدي سقوط مئات ـ وربما أكثر ـ من الضحايا الي استدعاء الضغوطات الدولية لوقف هذه الحرب, أو يؤدي اعادة عدد كبير من الضباط وجنود الحملة البرية الي إسرائيل في نعوشهم الي انفجار الوضع الداخلي علي غرار مظاهرة الـ400 ألف إسرائيلي التي كانت عارضت استمرار الغزو للبنان عام1982. ومع استمرار وتصاعد الحرب العدوانية علي غزة تبدو كل الخيارات صعبة للغاية لأن ماقد يرفض قبوله اليوم قد لايمكن الحصول عليه غدا وقد يكون العكس صحيحا كذلك, ويبقي صحيحا أيضا القول بأنه قد يكون من السهل اشعال الحروب ولكن من الصعب دائما إنهاؤها.. وصنع السلام.